Nabila Aboudi مع Ahmed Rahmani
الزمان والمكان في رواية تجاعيد العتمة للروائي أحمد رحماني
بقلم: د/ نبيلة عبودي
تجاعيد العتمة عنوان يسائل المعنى: فكيف للعتمة الغارقة في الظلام أن تشيخ؟ وكيف للزمن أن يرسم بإتقان تلك التجاعيد على وجهها؟
هذا ما سيجيب عنه الروائي المبدع أحمد رحماني من خلال فصول هذه الرواية.
في الفصل الأول: تتجلى القدرة الفنية للروائي على محايثة التفاصيل، وتسمية الأشياء بمسمياتها وهذا دليل على أصالة عمله، من ذلك: التحت وهي تسمية بالمقياس الجيواجتماعي تشير تضاريسيا واجتماعيا لكل ما ومن يقع في الأسفل.. ومنهم التحاتة.. التويزة وهي وليمة يحضرها جمع من الناس.. الكريدي وهو القرض.. القاوري والرومي وتشير إلى الأوروبي عموما والفرنسي على وجه خاص.. سي وهو لفظ تقدير واجلال.. والمانكو ويعني مبتور الذراع أو جزء منه.
كما رسم في هذا الفصل حدود الفضاء الروائي الذي ستدور فيه الأحداث، وذكر شخصيات مثل: سي محند.. تشينو بلانكو.. المعمر بوطانغو.. صافا أومصطفى مجهول اللقب.. وأمه منانة ابنة المانكو.. الذي فقد ذراعه وهويته في الحرب العالمية الأولى.. والميسوم التاجر العقيم.
وفي الفصل الثاني بدأت تتضح معالم الشخصية المحورية صافا الذي ولد وحده وعاش لوحده ولايعلم كيف سيلقى حتفه.. ولادجوان ديغولاس الذي لايمل من اهانته في النور.. ولا يستحي طلبه شاذا في الظلام..
وأصبح صافا عينا وأذنا لديغولاس.. ويبدو أن اسم هذه الشخصية كان اختيارامقصودا من الكاتب لما له من دلالة تعكس التقزز منها ومن ممارساتها.
أما صافا، فهو الممزق في انتمائه بين نسب مجهول واغتراب مشلول.. بين الأمانة والخيانة.. لكنه يجتمع مع خمليش كفان الموتى وتشينو بلانكو وتيفيس لمناقشة قضية فتح المسجد الجامع وتزويده بالماء، وتنبعثث الحياة من المسجد من خلال تلاوة جماعية للقرآن وانشاد جوقة بمديح البردة.
وفي الفصل الرابع يلجأ ديغولاس إلى توقيف المتهمين بأمر من وكيل الجمهورية الفرنسية لمقاطعة لورمال.. وهم:
- الملياني علي: التهمة الدعوة إلى التجمهر دون إذن وترخيص إداري.
- بونوارة أحمد: التهمة تعريض فرس إلى الخطر دون تقديم المساعدة لكائن في حالة حرجة.
- بلانكو تشينو: التهمة انتحال شخصية بيطري واحتيال على أشخاص طبيعيين وابتزازهم في ممتلكاتهم.
- أحمر اللحية بارودي: التهمة الاخلال بالنظام العام.
- صافا: التهمة عدم تبليغ السلطات العمومية عن اقتحام الأهالي لفضاء مخصص لإقامة سوق أسبوعي دون غيره من النشاطات الأخرى.
ولكن بوطانغو التقى بالمير الذي حاول حفظ ماء وجه السلطة، فأمر باطلاق سراح تشينو بلانكو ومغادرة العيفة حالا، ودفع غرامة مالية للثلاثة الآخرين، وبدون تردد قال بوطانغو: "أتعهد وأضمن وأنوب عنهم ولك واسع النظر."
ويتجلى من خلال هذا الموقف البون الشاسع بين ديغولاس رجل السلطة الجائع للسيطرة وبوطانغو.. هذا الذي قال عنه الروائي في الصفحة 78: "بوطانغو معمر وليس منهم وإن كان محسوبا عليهم في التصنيف الكولونيالي" هو الرجل الموريسكي الأصل الذي يرى أن الفضاء يسع الجميع، فيقول لديغولاس: "يجب أن نعتبر من التاريخ ونصغي إلى ترانيم الأرض التي نحن عليها، لنحول أنينها إلى غبطة تعم القلوب ويصير الغل فيها ودادا".. وبعد أحداث أثثت الفصول اللاحقة يلتقي صافا بساورا التي يجد فيها جزءا منه.. بيد أن هويته تبقى مبتورة.. ليتفجأ بأنه حفيد خمليش الكفان من ابنته تيتماس.. لكن وجه الأب لايزال دون ملامح.
تنفتح قراءة هذه الرواية على جماليات المكان التي أولاها الكاتب اهتماما خاصا.. ومنها حي التحاتة: "ففي القاموس الطوبوغرافي يطلق عليه شارع الحدائق.. باعتبار الاتجاه الزراعي لسكانه.. محدود الطول في المخيال بالمفهوم الآني للأهالي.. ويقدر قصر طموحهم وقصور إدراكاتهم.. ضيق يشبه الكهوف التي تأويهم.. بانوراميا تتراءى سقوف البيوت ذات وظائف متعددة.. تحملةبأحطاب وجذور الدالية اليابسة في الشتاء لحاجة الناس إليها للطهي والتدفئة.... حي يقع أسفل درك النعم بل أدنى من ذلك".
والحمام: "ليس مكان الاستحمام..وحسب وليس لازالة درن القشرة، هو للاستجمام وجلاء الغم ودنس الهم وما تفعله الأسقام، وهو في الدرجة الثانية بعد المسجد كفضاء عمومي لدى الأهالي المسلمين. للحمام مفروض السنن وحق المالكية، وهو عمارة الماضي ومجسم الحاضر وذاكرة الغد، وله من قداسة التصميم وحرص الزخرفة ما يبوئه التربع في ملكوت الابهار والتتويج بتاج الافتخار."
أما جنان البايلك "فهو الحديقة العمومية لمدينة لورمال التي ساهمت في تصميمها المادة الرمادية لمهندسي "الروامة" ونخبهم المبدعة بسواعد العرب وعرق أكتافهم... جنان البايلك يفتح أبوابه عصرا بعدما كان لملم لنفسه جميع مساحيق الزينة وتعطر بطيب المسك واستاك بأراك الأقحوان والفيجل والعوسج".
تجاعيد العتمة رواية الزمن الذي انفلت من قبضة الماضي ليستنطق التاريخ.. ليميط اللثام عن أحداث عاشتها الشخصيات في ظل حرب الإنسان ضد الإنسان.. هي رواية ارتوت من كأس التاريخ، فكشفت عن هشاشة الإنسانية التي أنتهكت والحقوق التي أغتصبت.. هي عتمة عاشتها أجيال من الجزائريين الذين شبوا وشابوا دون أن ينعموا بجزائريتهم.. هم المعلقون بين اغتراب مفروض وانتماء معطوب.. هم الأهالي المصلوبون على عمود الأنديجينا.. هم المعاقبون دون محاكمة..الهاربون من أنفسهم إليها.. هي عتمة الاستدمار تغشى نهارهم.. وسياط الظلم تلهب أجسادهم.. وتجاعيد تحكي تاريخ وطن طال ليله واستطال..
رواية تجاعيد العتمة هي رواية الوطن والوطنية.. الإنسان والإنسانية.. والحرية المكبلة بالأغلال الفرنسية.. هي رواية الرؤية الشاملة القابلة للإسقاط النفسي على واقع الشعوب التي اكتوت بنار الحرب والاستدمار.. هكذا أراد الروائي المبدع أحمد رحماني لها أن تكون.

تعليقات
إرسال تعليق