Nabila Aboudi.
البعد الأنطولوجي في المجموعة القصصية "عندما يصلك خطابي".
بقلم: د/ نبيلة عبودي.
تقول سيمون دي بوفوار: " كل تجربة إنسانية تنطوي على بعد سيكولوجي، وإذا كان الفكر النظري يستخلص هذه الدلالات ويعممها على نطاق مجرد، فإن الروائي يحييها في تفردها العيني". فالوعي بالوجود ومشكلاته نقطة وصل بين الفيلسوف والكاتب شاعرا كان أو قاصا أوروائيا. ويعكس النسقان الداخلي والخارجي للقصة تآلف اللفظ ومحمولاته الفكرية، الرؤية والواقع، المعاناة والمعايشة والشخصية التي تعبر عن المشكلات الفعلية للإنسان.
"عندما يصلك خطابي" مجموعة قصصية للشاعر والروائي والقاص "الطيب عبادلية" صادرة عن مؤسسة "يسطرون".. وتتضمن عشر قصص: عندما يصلك خطابي.. أمامي تنهدت من أعماقها.. ليلة زفاف الحاجة.. قلب وشمع أحمر.. الاختناق.. حنين خريف العمر.. الصفصاف يموت واقفا.. أربعة وإثنان.. موعد مع قلبي.. وأيتلها.
هي قصص مختلفة في التفاصيل والأحداث.. مؤتلفة في الموضوع وهو الإنسان.. بهمومه ومعاناته.. بهدوئه وانفعلاته.. هي قصص أهداها القاص إلى أولئك الذين يحملون جمر الكلمات على ألسنتهم.. قصص قال عنها: "هي بعض نبض قلبي وقلقي.. وحتى دمعي".
في قصة "عندما يصلك خطابي" جلست تكتب إليه قائلة: " أكتب إليك، فقد يصلك خطابي ومعه خبري، وقد يصلك خبري قبل خطابي". هم وعدوه بها ليبعدوه عنها.. وبعد سفره قرأوا الفاتحة مع أول خاطب.. هو الذي قال لها يوما: " تعودت عليك أنت كما أنت.. تعودت على صفاك وجفاك.. تعودت على وعودك ثم تنسين فأعذرك.. بعدك من أعذر.. ومن أسامح.. ومن أدلل.. بعدك من يمسح ثلج العمر عن سنين العمر وقد حولتها برودة المكان إلى جليد قطبي.. بعدك من تفعل كل الذي فعلت ".. ودعت صديقتها.. هربت معها شهادة قتلها.. نامت وهي تردد: " تعودت عليك أنت كما أنت.. على جفاك.. على صفاك..."ثم نامت إلى الأبد.
وفي قصة "قلب وشمع أحمر" يرسم الكاتب صورة المرأة الثائرة التي تكسر رتاج الصمت وتقول: "لا".. هي التي قالت بتحد وشموخ :" بل افهم أنت جيدا.. عد إليهم سوف يجدون لك امرأة تعيش على رغبتهم وتتكيف مع هواهم.. أما أنا فقد دفنت في قلبي الرجل.. ذلك الرجل الذي أحببت ذات مرة.. وسكتت".. هي التي أعانته على غلبة الدين وقهر الزمان طلقها.. وعندما حاول آخرون أن يتقربوا منها أغلقت منافذ قلبها بالشمع الأحمر.
اختارت أن تكون وحيدة.. بلا ظل.. بلا رفيق.. بعد أن حنطت قلبها بالشمع الأحمر.. لكنه يعود يحمل حق الأبوة بيمينه وقلبه بشماله.. لكنها رفضت.. وفي خضم ثورتها العاتية هدأت وعادت إليه بعد عشر سنوات من الغربة والتمزق.. هدأت عندما تدفقت دماء الحب في شرايينها لتراقص قلبها، فتذيب عنه الشمع الأحمر.
أما في قصة "اختناق"، فقد تطرق القاص إلى مشكلة الخوف التي يعاني منها البعض.. هي قصة رجل يعاني من الاختناق بسبب الخوف من الآخرين.. من والده.. عمه.. خاله.. زوجته.. وأخته التي وجدها ذات صدفة مع رجل غريب.. ضرب الغريب دفاعا عن شرفه لكنها غرست أظافرها في وجه أخيها بكل وقاحة.. ودخل بعدها قوقعة الخوف ولم يخرج منها.. هرب من نفسه والآخرين إلى الحانة لينسى لكنه يشعر بالاختناق من أهله.. من صاحب الحانة.. من تصرفاته.. إنه مرض لن يشفى منه إلا بالمواجهة " ألقى بالسيجارة أرضا وسحقها بعصبية.. وهم خارجا.. وعندما داعب نسيم الشارع وجهه.. أحس ببرودة دافئة ناعمة، فملأ صدره بالهواء.. ولأول مرة لا يشعر بالاختناق.. سار خطوات.. ثم التفت وراءه وبصق.. ثم.. غاب شبحه في الشارع".
تتجلى جماليات اللغة في هذه النصوص القصصية من خلال قدرة الكاتب على اختزال الأحداث بما يناسبها من كلمات وعبارات من جهة، ومن خلال دقة اختيار الحروف التي تعكس سيكولوجية الشخصية من جهة أخرى، فلا يمكن لإنسان بسيط أن يتحدث بلسان متخصص في علم من العلوم، وبالعكس ترتقي لغة العارف والمثقف إلى ما يتناسب مع مستواه المعرفي والثقافي.
وهكذا وازن القاص "الطيب عبادلية "بين المعطى النفسي لشخصيات القصص وبين لغتها، ويظهر ذلك من خلال الاختلاف الذي يلمسه القارئ بين حديث المرأة و الرجل، فلكل منهما قاموسه اللغوي الذي ينهل منه.
ومع أن اسم الشخصية من أساسيات العمل القصصي إلا أن القاص اختار طريق اللامسمى، وهذا ما يعكس الرؤية الكلية الشاملة التي تسقط الأحداث على كل الناس الذين عاشوا تجارب مشابهة، بل وتقحم القارئ في معايشة الأحداث وكأنه الشخصية المقصودة.
كما اختار الكاتب نهايات متوافقة مع طبيعة شخصيات نصوصه، منها التمرد، التعايش، الرضا، المواجهة، والنهاية المفتوحة تبعا لتركيبة الشخصية، واستجابتها للظروف التي عاشتها نفسية كانت أو اجتماعية.
ويبدو أن البعد الأنطولوجي هو ما يطغى على هذه المجموعة القصصية، فقد فتح الباب على معاناة الإنسان التي ترسم صور التشظي والتمزق في عالم التشيؤ.. هي مجموعة قصصية تغوص في أغوار النفس الإنسانية بأسلوب أنيق ولغة راقية تعكس النضج الأدبي للكاتب وخصوصية طرحه لمشكلات الإنسان المعاصر.

تعليقات
إرسال تعليق