البحث عن العمر الضائع ( قصة)
----------_-----------
- مرت عليه عشرون سنة وهو يبحث عن ساعة يجلس مع قلبه الذي عانى الكثير من ويلات هذه السنين ، كان كلما يريد الانفراد بنفسه أحد أبنائه طالبا منه شيئا يستحيل تحقيقه ،لكونه لا يستطيع تحقيق أحلامهم ، يحمر وجهه خجلا من قلة الإمكانات المادية .
- كان أحد أبنائه - وهو أصغرهم جميعا - يدعى أبو اللعب ، سمي بهذا اللقب لأنه يحب اللعب كثيرا حبي الوطني لوطنه ، ويريد أن يجمع الكثير منها في البيت الذي لا يتسع لاثنين من مخلوقات الله الآدمية .
- خرج معه ذات مرة وكعادته إلى الشارع الوحيد في المدينة الذي أسماه أبوه ( شارع الوحدة ) ، كان يمسك بيد أبيه كلما رآى لعبة تظهر من الواجهة الزجاجية أعجبته يستوقفه أمامها طالبا منه شراءها ، يتنهد الأب ويقول له بلغة يفهمها ولده مستعجلا : ماهيس امليحة ، ضعيفة ، تتكسر بالخف ، هيا انيدو لذاك الحانوت بالاك انصيبو وحدة خير منها .
- كان يقول له هذا الكلام المملوء بالحزن لعدم تمكنه من إرضاء ابنه لعله ينسيه إياها ، لكن الابن الحالم كان كلما رآى لعبة بواجهة إلا وطلب أبيه لعبة حتى صار الأب عندما يريد الخروج إلى شارع الوحدة ليلتقي بالرفاق أمثاله ،علهم ينسونه هموم الفقر بحديثهم عن التربية والتعليم والشعر لكونه يميل كل الميل إلى هذا الجانب وهمه الوحيد ، حياته كلها في هذا المجال الذي يعتبر اختياره مبدأ وسبيلا .
- صار هذا الأب لا يجد ساحة للراحة يقضيها في ممارسة هوايته التي كان يفضلها ،زيادة على وظيفته التربوية إلى أن تمكن ذات ليلة حين طلبت منه زوجته زيارة أمها التي هي خالته ، فرح كثيرا لهذا الخبر ، بالرغم من أنه لا يريد مفارقة عائلته التي ضحى من أجلها ليحقق لها ما يستطيع تحقيقه ، ولتحس بأن لها إنسانا سندا يعتني بها .
- رافق عائلته إلى بيت خالته ، واما. وصل ترشف قهوته على عجل ، وخرج بعد أن أعلم ابنه الأكبر بأنه إذا ما أرادوه فإنه بالمنزل يحضر دروس تلاميذه للغد ، هءا المنزل الذي يعتبره ( إيوان كسرى ) ،رغم تشقق جدرانه ،وضيق غرفه ، عاد مسرع الخطا ،وما ولج البيت حتى أحصر ورقة كان قد خبأها منذ أسابيع ليمارس عليها هوايته ، ولكن ،لم تتح له فرصة إلا في هذه اللحظة التي خلا بنفسه وإياها. .
- جلس متكئا على وسادة بمنكبه الأيسر ، وشرع في الكتابة :
( بحر كدر ، فيه حيتان .
وتماسيح ،في تسابيح الخراب .
بحر مالح.
مر ،طويل عريض لكم .
محجل مخنوق على عتبة الباب أنا .
أنا الضحية لا تدري كيف المصير .
غدير ،غدير ،غدير ). .
-- وفي هذه اللحظة ،سمع دقدقات على باب المنزل ، فقام مسرعا ،رغم أنه لا يريد مفارقة ورقته ، ولما فتح الباب ، وجد ابنه الأكبر ينتظره ، فقال له : خيرا - إن شاء الله ؟!. -- ،
فأجابه : أخي أبو اللعب يريد لعبة ، وخالي يدعوك لتناول العشاء .
-- تنهد الأب وعاد إلى ورقته يتأمها ،حملها بكلتا يديه ، ووضعها داخل كتاب كان عنده أعز من رغيف يقدم لمن لم يذق طعاما منذ ثلاثة أيام ، رافق ابنه ليشتري اللعبة ، وبعدها لبى الدعوة ، وهكذا كانت حياته يعيش أيامها ولياليها مع الجميع الذين اختارهم فقراء المادة ، ولا يجد ساعة يبحث فيها عن نفسه الضائعة ،ولو مرة يكشف فيها معنى وجودها في هءا الوجود .
بقلم الشاعر : محمد سنوسي .
البلد : الجزائر.
ربما تحتوي الصورة على: ‏‏شخص أو أكثر‏‏


تعليقات

المشاركات الشائعة