Eid A Alnassir
هل يعتبر قرب القاريء من الكاتب مشكلة حقيقية؟
14 سبتمبر 2021م
من الأمور المتعارف عليها هو أن الفن بكافة أنواعه مركب من الواقع والخيال، الواقع المتولد من التجربة الشخصية، والخيال المتولد من القدرة على استحضار تجارب الماضي وذكرياته ومزجها بالمشهد الحالي بشكل فني، والتجربة الشخصية قد تكون معايشة شخصية وقد تكون القدرة على الغوص في تفاصيل تجربة الآخرين الى الحد الذي يشعر القارئ بأنها بالفعل حدثت للكاتب نفسه.
حين ينتهي الكاتب من كتابة نصه ويطلقه في الفضاء العام، وهو فضاء رحب به أنواع مختلفة من القراء، وكل نوع تفصله عن الكاتب مسافة معينة، منها اللصيقة، ومنها القريبة، ومنها البعيدة، ويكون لهذه المسافة أثر كبير في الفهم والتأويل والتعامل مع النص موضوعياً وجمالياً.
لتقريب الصورة، دعوني أبدأ بمثال. قبل أكثر من عقدين أتذكر بأني كتبت قصة قصيرة، كان المحور فيها يصور مشاعر فتاة تعبت من لبس العباءة وتغطية الوجه، وصارت تجادل أهلها ومن هم حولها بخصوص المشروعية الدينية والاجتماعية ..الخ للبس العباءة، كانت الصورة في تلك القصة خفيفة ومباشرة "ورمت بالعباءة على كنبة الصالة .."، حين قرأت زوجتي مسودة القصة استفزتها كلمة "رمت" وسألتني:
لماذا تقول بأن المرأة تكره أو ترفض لبس العباءة؟
قلت: ولماذا لا أقول ذلك؟
ردت: وماذا سيقول الناس عنك وعنا؟
ماذا سيقولون؟
أنت تعرف تماماً ماذا قالوا وماذا سيقولون.
نلاحظ في مثل هذا الجدل بأن القارئة (الزوجة) تتحدث بأنها معنية بما يحمله النص من إشارات قد تكون لها ردات فعل اجتماعية مختلفة سوف تؤثر على الأسرة بكاملها وليس على الكاتب فقط كشخص، ومن هنا فهي معنية بتفاصيل النص وردات فعل القراء المستقبليين، والقراء بالنسبة لها هم أفراد العائلة الممتدة بشكل مباشر وباقي المجتمع من جيران وأهل ..الخ. هذه العلاقة وما يحيط بها من ضغوط تحد من مساحة الحرية الفكرية والثقافية والفنية في عملية التلقي والتفاعل مع النص، وهذه الضغوط الهائلة تحول هذا النوع من القراء الى رقيب ذاتي آخر فوق الرقيب الذاتي للكاتب، وهذا يحدث قبل أن تتدخل أي سلطة دينية أو ثقافية أو سياسية في الموضوع.
منذ فترة وأنا أعمل على كتابة رواية، المسودات الأولى عرضتها على عائلتي، كانت ردود فعلهم هي تجربة بحد ذاتها، بناتي اعترضن على وجود بعض الصور أو الوصف وطالبن بإزالتها من النص "أرجوك أن تزيل هذه المقاطع، لأنها مؤلمة ومحرجة جداً ..".
أول الدروس التي تعلمتها كقاريء وكاتب هو وجود مسافات مختلفة بين الكاتب والقراء. هناك العائلة، وهناك الأصدقاء، وهناك الغرباء ممن لا تربطهم معرفة أو علاقة بالكاتب غير الكلمات المكتوبة والمنشورة.
يبدو لي بأنه كلما قصرت المسافة كلما تقلصت مساحة الخيال والحرية لدى المتلقي، ومن هنا تصبح قراءة أفراد العائلة أقل حرية وخيالا، وتأتي بعدها قراءة الأصدقاء، ولكن الغرباء تكون مساحة الحرية والخيال أوسع وأرحب. كما ترى فقد ربطت بين الحرية والمسافة، لأن الحرية ليست بالأمر المطلق، فهي مسيجة بالكثير من الحواجز النفسية والاجتماعية والثقافية المرئية وغير المرئية، ولهذا السبب، على ما أعتقد، كلما كان المتلقي أبعد كلما اتسع هامش هذه الحرية، فهو لن يكون معنياً بأي نوع من الحرج أو الخوف أو القلق مما يصوره أو يصفه أو يتحدث عنه النص.

تعليقات
إرسال تعليق