Yaser Mekky


العيش والملح
بقلم - د . ياسر مكي
العيش والملح - هما سيدا الطعام ولا تخلو مائدة منهما لذلك كانا دليل العشرة الطيبة بين الناس لأن العيش ( الخبز ) هنا
يعني الحياة - والملح يعني الاستمرارية ومعناه الحرفي هو الحفاظ على الأشياء من التلف والهلاك لمدة طويلة
هما كلمتان مرتبطتان ببعضهما ارتباطا شديدا يتكرر ذكرهما دائمآ للتعبير عن الأواصر الراسخة المتينة والمودة القوية بين الأصدقاء فلايعرف معناهما ويعمل بهما إلا من كان أصله طيب واهله من الاكرمين تربى على القيم والأخلاق والفضيلة
العيش والملح دليلا الوفاء والثقة والمصداقيةويمثلان المحبة
والألفة والمودة بين الناس والقسم والحلف بهما برهانا للصدق والامانة فلا يجوز ابدا لمن أقسم بهما أن يكون كاذبا ومن غير المقبول أو المعقول لمن تناول الطعام مع صديقه أن يخونه أو أن يطعن فيه أو أن يقبل أن يتحدث أحد عنه بسوء
وتأكيدا لذلك فهناك تقليدا كان سائدا في بعض البلاد العربية بل وقليل من الأوربية عند زيارة أحدهم لصديق له في بلده كان يستقبله بالمطار وفي يده لقيمات من الخبز ينثر عليها حبيبات من الملح يتناولاها معآ كنوع من أنواع الترحيب وحسن الاستقبال وكرم الضيافة ولمد جسور العلاقة الطيبة واستمرار الصداقة ودوامها بينهما
وتقليدا آخر كان موجودا في هذا الشأن عندما يقطع شخصين عهداعلى انفسهما بعدم خيانة أحدهما للآخر في أمر ما كانا قد اتفقا عليه فيحضران رغيف خبز ليقتسمانه بينهما ليكون قسما وعهدا وميثاقا بين كل منهما للآخر فإذا خان أحدهما صديقه فضح بين الناس وصار خائنا للعيش والملح والعهد ولا امان له وانتفت عنه صفةالرجوله والشهامة وفقدثقة كل من حوله فيه
ولجمال هذا التقليد وروعة معناه تناوله الفن القديم في بعض الأعمال الدرامية من مسلسلات وأفلام ولذلك أنتجت السينما المصرية عام ١٩٤٩ فيلما يحمل اسم ( العيش والملح ) كان دور البطولة فيه للممثلة نعيمةعاكف وهناك ايضا اغنية شهيرة للفنانة ليلى مراد تحمل نفس الاسم ( العيش والملح )
وكان العرب قديما يعتبرون عدم أكل المرء للطعام الذي وضع امامه دليل العدواة والبغضاء تأكيدا للحكمة الماثورة عندهم التي تقول ( من لم يأكل طعامك لم يحفظ زمامك) -
هذة التقاليد السامية الراقية كانت فيما مضى من الموروثات الراسخةوالأعراف الثابتة الشامخة التي لا يجوز باي حال من الاحوال مخالفتها - أما الآن ووسط زحام الحياة ونكباتها فقد اختفى الصدق وتاه وانقطع العشم وضاع وغرقت المحبة في بحور المصالح والتسلق والتهليس فبهتت معها المثل العليا وتلاشت الأخلاق وساد الكذب والخداع والنفاق وأصبحت ( خيانة العيش والملح ) هي سمة هذا العصر ومعها اختفت الأعراف النبيلة والمثل العليا التي كانت تميزنا عن غيرنا
قد تكون صورة لـ ‏‏‎Yaser Mekky‎‏‏

تعليقات

المشاركات الشائعة