حظيرة (مزرعة) الحيوانات
مهمّ جدا قراءة، أو إعادة قراءة "حظيرة (مزرعة) الحيوانات" لجورج أورويل، فهي تفتح الأعين على الحالة الهيستيرية التي نعيشها اليوم، وكيف يشتغل الناس بالاستجابة الشرطية بدل التأمل والتفكير.
بلاد احترقت من شمالها لجنوبها بأيد إجرامية وبسوء التسيير، قرابة المائة ضحية حرقا في غابات شكلت دائما مصدر رزق لساكنيها، مأساة اغتيال المثقف والفنان، جمال بن اسماعيل، ظلما دون أن يحرك شخص واحد يده للدفاع عن الحق ورفض البشاعة في مشهدية تراجيدية غير مسبوقة، دون ان يتحرك الضمير الديني في مسجد على بعد أمتار من مكان الحادث، ولا الضمير الوطني في ساحة عبان رمضان التي أحرق فيها، آلاف المصابين بكورونا وعشرات الموتى يوميا، كل هذا وكأن شيئا لم يكن، بالنسبة للنخبة، أولا انخراط شباب المواقع والفيسبوك والانتساغرام وغيرها من الوسائط. حالة شبيهة بما يحدث في حظيرة الحيوانات لجورج أورويل، حيث انتهت الثورة الحيوانية التي اعتبرت البشر أعداء في "حظيرة الحيوانات"، إلى نظام حيواني تتزعمه لجنة الخنازير المثقفة والواعية التي فرضت نفسها بالقوة والحيلة، بعد أن حجّمت سلطة البقية.
"تبدأ الحكاية عندما تجتمع جميع حيوانات المزرعة لسماع ”ميجور“ الخنزير العجوز، الذي وصف حلمه بعالم تعيش فيه الحيوانات بحرية وسعادة، وحياة تخلو من طغيان الإنسان، و”أخبرهم كيف أن حياتهم قصيرة، يظلّون يكدحون فيها، ثم في النهاية يذبحون… ولايوجود في إنجلترا كلها حيوان حر“. كما يقوم بتعليمهم النشيد الثوري ”يا وحوش إنجلترا“، لتقوم ثلاثة خنازير ”سنوبول، ونابليون، وسكويلر“، بعد موت ”ميجور“ بتحويل خطابه إلى مذهب خاص: الحيوانية Animalisme، وعملوا على نشره بين بقية الحيوانات.
وفي أحد الأيام، عندما نسي ”جونز“ إطعام الحيوانات، اشتعلت الثورة وطُرد السيد ”جونز“ من المزرعة، ليتحول بعدها اسم المزرعة إلى ”مزرعة الحيوان“، ويتولى ”سنوبول“ و”نابليون“ التدبير والقيادة، بعد أن سلمت لهما الحيوانات بذلك لاعتقادها بأنهما أذكى وأكثر قدرة على القيادة. في البداية، حقق التمرد النجاح، واستطاعت الحيوانات تدبر أمورها بنفسها بعيداً عن تسلط الإنسان واستغلاله، وذلك بجهودها وتكاتفها، غير أن ”نابليون“ أثبت أنه قائد جائع للسلطة، يسرق حليب الأبقار وثمار التفاح لنفسه وللخنازير الأخرى، ولم يلبث أن جعل من ”سكويلر“ المتحدث الإعلامي باسمه، هذا المتحدث البارع في ”التطبيل“. وينشأ لاحقاً خلاف بين ”سنوبول“ الذي اقترح بناء طاحونة هوائية توفر الكهرباء وتريح الحيوانات وتؤمن لهم الرفاهية، و”نابليون“ الذي عارض الخطة بشدة بحجة أن بناءها لن يتيح الوقت الكافي للحيوانات لإنتاج الغذاء، فيقوم ”نابليون“ باستدعاء مجموعة كلابه الشرسة التي دأب على تربيتها منذ ولادتها، لتطرد ”سنوبول“ خارج المزرعة، ومن ثم يتهمه بسرقة فكرته ببناء الطاحونة وعمالته بتعاونه مع ”الإنسان“. يعلن ”نابليون“ نفسه زعيماً ويطبق تغييرات على إدارة المزرعة، لتصبح الخنازير هي الآمرة الناهية في المزرعة، ويستمر ”سكويلر“ في حملته الإعلامية بتمجيد ”نابليون“ واتهام ”سنوبول“ بالتخريب، كما يقوم ”نابليون“ بتطهير ”معارضيه“ الذين اتهمهم بالتعاون مع ”سنوبول“. وينتهي الأمر بمخالفة الخنازير لجميع المبادئ التي اتفقت عليها الحيوانات عند انطلاق الثورة، وفي نهاية الرواية يسكن ”نابليون“ منزل السيد ”جونز“، ويظهر وهو يقف على قدمين، وكأنه يتصرف كالبشر الذين ثار عليهم، كما ويعقد الجلسات مع المزارعين المجاورين للعب الورق."
أليغوريا تناسب جدا زماننا الذي خلق أبطالا يشبهونه في كل شيء، حتى في انحطاطه وأوهامه.

تعليقات

المشاركات الشائعة