Sameh Samo Daoud


سماح بني داود
نص اهداء الى روح الفنان جمال بن إسماعيل.

وها أنا واقف بين أشجار الغابة التي احترقتُ على أرضها، أراقب هرولة تلك الوحوش الى جثتي قبل اشتعالها، قبل توديعها لأنفاسها الأخيرة، لم أكن أعلم كيفية موتي ولا السبب ولا المكان او الوقت، كنت جاهلا مثل الجميع لكل هذا، غير أنّني عليم بقدوم ساعة تصنع فيها روحي لنفسها جناحين لتحلق خارج جسد احتواها لسنوات، لم تكن خيبة لجسدي في روحي بل هي حقيقة آتية لاماحالة، إلا أنها أتت على هيئة شرير تقمص دور الرب في الحرب والتعذيب!
لم تخني ذاكرتي، مازلت أذكر حماسي لمغادرة بيتي والمساهمة في انقاذ الغابة من ألسنة نار التهمتها بشراهة، أذكر هرولتي الى الحافلة و معي قلب ينبض حرقة شديدة على وطني الذي سيتحول الى رماد بعد ساعات قليلة، مازلت أذكر مشاهد هروب الناس من ألسنة النيران، بكاء النساء، وخوف الأطفال، ضجيج السيارات وازدحامها، أذكر أن الصمت قد خانني فانتفضت مهرولا لأقدم ما يمكن تقديمه.
على كتفي وزر ثقيل، وفرشاة امتصت ألوانها صرخات أمهاتنا هناك، ليتني كنت قادرا على رسم أمطار غزيرة تتحول بعد برهة إلى حقيقية فتُذهب الرماد وتأتنا ببساط أخضر على أرضنا من جديد، ليته كان في عروقي كمية دم كافية لإطفاء الحريق، أو دموع كثيفة أذرفها فنصحو من كابوسنا المخيف،
على كتفيّ وزر ثقيل توفيت ولم أُنزله!
أتصدقون أنني لم أشعر بألم تلك اللكمات ولا بوقع ضربهم على جسدي، لأن الضربات على خاصرة وطني كانت أشد وجعا!
أتصدقون أني وأنا احترق كنت أفكر بذلك الحريق الكبير الذي يلتهم جزائرنا؟
أنا الآن هنا بين أشجار التفاح والتين والزيتون أقف، لأراكم جميعا مجتمعين حول وطن يستعد دوما لما هو أفظع وتستعدون دوما للموت من أجل سلامته.


قد تكون صورة مقربة لـ ‏‏شخص واحد‏ و‏لحية‏‏

تعليقات

المشاركات الشائعة